أبي منصور الماتريدي
601
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وكرمه يعامل عبيده معاملة من ليس له ما كان يطلب منه ويأمره به ، فقال : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] ، وقال : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً [ المزمل : 20 ] ليكون ذلك أطيب لأنفسهم وأرغب لهم في البذل لما طلب منهم ، وإن كان له أخذ ذلك منهم بلا شئ يعدهم عليه ، فعلى ذلك قال - عزّ وجل - : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بالذي ذكر ، يدلهم على أن ذلك منه ؛ ليعلموا أنه فيما كان وعد الاشتراء منهم ، وطلب منهم البذل بجزيل العوض لهم ، فيخف ذلك عليهم وتطيب به أنفسهم ، وأن يكون يذكر أولا أنه يبتليهم بالذي ذكر ليطيبوا أنفسهم به ، ولا يتكلفوا ذلك من قلوبهم ، فيضجرون عند الابتلاء بذلك ، وكذا كل خلاف للطبع إذا كان عن رياضته إياه وإشعاره به قبل النزول ، كان ذلك أيسر عليه من أن يأتيه ذلك من حيث لم يعلم به ، مع ما كان في ذلك خطر بالقلوب نسبة مثله إلى الخلق والتشاؤم بهم ، فقدم الله في ذلك البيان ليعلموا أن ذلك بالذي جرى به الوعد ، وذلك كقوله : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [ الحديد : 22 ] ، الآية ، فبين أن ذلك مكتوب عليهم لتطيب الأنفس وتطمئن القلوب عليه . والأصل في هذا : أن جميع ما ذكر البلوى به في التحقيق ليس بحق للعبد ، بل هو امتنان من الله وإفضال منه ، وأنه لم ينشئه ولا أحياه نشوء الأبدية ولا حياة السرمدية ، فعلى ذلك جميع ما أنعم عليه ، وإذا سكن العبد على هذا الذي جبل عليه أمر نفسه وما ملك عليه سهل عليه ذهابه ، وطابت به نفسه ، مع ما يعلم أنه أنعم عليه لوقت ، ثم هو نعمة على غيره ولغيره ، فيكون المأخوذ منه في الحقيقة لغيره ، وإن كان الله عزّ وجل ذكره في الابتلاء والمصائب ، فهو على ما أخبرت من كرمه فيما يعامل عبيده عزّ وجل . ولا قوة إلا بالله . ثم بين الله عزّ وجل ما يكرمهم ؛ إذا خضعوا لحكمه « 1 » ورضوا لقضائه ، مع ما دل عليه أيضا بقوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ . . . الآية [ الأحزاب : 36 ] ، فقال : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ، وقال في موضع آخر : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] ، فكان من فضله أن سمى ما وعدهم على الصبر أجرا ، ومعلوم أن كان ذلك حقّا لله عليهم ، بالسابق من نعمه ، مع عظم مننه ، لكنه سمى ما أفضل به أجرا له ، مع ما كان العبد
--> ( 1 ) في ط : خنعوا لحكمه .